هشام جعيط

358

نشأة المدينة العربية الإسلامية " الكوفة "

بطابع المدينة الهائجة الطموحة ، وتحولت في الوعي الشيعي اللاحق إلى مدينة شهيدة . من هنا الأفكار الجاهزة الجامدة التي كانت لدى الأغلبية السنّية ، والأفكار الأبوكاليبتية لدى الجهة المقابلة التي كانت ترى أن بغداد اللعينة ستتحول إلى كتلة من الدمار لتصبح الكوفة ملكة العالم بعد أن كانت دار منفى للمؤمنين الصادقين ، بحسب قولة سلمان : « الكوفة قبّة الإسلام سيأتي يوم سيقطنها كلّ مؤمن حقيقي أو أن قلبه يحنّ إليها » ( راجع : ماسينيون ، III , Opera Minora ، ص 54 ) . والحق ، أن هذا الغليان السياسي المستمر طيلة القرن الأول ه / السابع م ، مبعثه بنية الكوفة بالذات فضلا عن تطوّر أحداث التاريخ . بقيت الكوفة الركن الأساس في نظام الأمصار حتى العام 30 ه / 650 م ، على أقلّ تقدير ، وهو العام الذي بدأت فيه البصرة تتقدّم على الكوفة في فتح الشرق الفارسي . واستمرت الكوفة في احتضان فاتحي العراق منذ الموجة الأولى المعروفة باسم " أهل الأيام " وحتى موجة " أهل القادسية " . وكان أهل الموجة الأولى يفاخرون بأسبقيتهم في اعتناق الإسلام وغيرتهم عليه ، في حين أن أهل الموجة الثانية شاركوا في الردّة ، وكانوا كذلك ذوي حسب عربي رفيع . كانت الكوفة تستأثر بالقسم الأعظم من موارد السواد ، وكان قادة الجيش يديرون شؤون الأراضي الملكية القديمة الواسعة ، والتي غدت في ما بعد ، موضع نزاعات وصراع ، في حين أن الهجرة إلى البصرة - باستثناء هجرة بكر - غدت هجرات متأخرة قامت بها قبائل جنوب شرق الجزيرة ، والوافدون الجدد الذين وصلوا إلى ساحات الفتح ، في مجموعات قبلية متجانسة . كانت البذور التي أنبتت التوتر والصراع مطمورة في بنية الكوفة القبلية ، وفي الظروف التي وأكبت نشأتها ، وكذلك في التجاذب الذي وقع على المهاجرين الجدد ، أو الروادف ، من أجل استمالتهم ، كما في العجز عن فرض الرقابة على الهجرة بسبب كثافتها في العصر الأول . لقد كان التوازن محفوظا في عهد عمر ، وكانت جيوش الكوفة منهمكة بإخضاع فارس . ولم تبدأ الصراعات الداخلية بالبروز إلى العلن ، إلا في عهد عثمان : فالنخبة الإسلامية القديمة التي أحياها عمر ، تراجعت أمام الزعامات التقليدية التي تقاسمت الأعمال ( الولايات ) وشعرت بتزايد قوتها وعلوّ كعبها ، بفضل موجات هجرة الروادف التي حملت إليها أهلها وقبائلها ( وينطبق ذلك أفضل انطباق على حالة الصراع التي كانت قائمة بين الأشتر النخعي والأشعث بن قيس ) . فانتهى المطاف بحماسة " أهل الأيام " الذين خذلتهم السياسة الجديدة ، إلى مقتل عثمان الذي تورّط فيه بعضهم ، ليجدوا أنفسهم مرغمين على الوقوف إلى جانب علي . وكان في مجيء علي إلى